محمد متولي الشعراوي
9065
تفسير الشعراوي
والله طالما أن الأمر كما تقولون ، والآخرة لكم { فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة : 94 ] ثم قرَّر الحق سبحانه ما سيكون منهم فقال : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } [ البقرة : 95 ] . وقال عنهم : { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ } [ البقرة : 96 ] . وما داما لن يتمنوا الموت ، وما داموا أحرصَ الناس على الحياة ، فلا بُدَّ أن حياتهم هذه التي يعيشونها أفضل لديهم من الحياة الأخرى . فالمؤمن إذن لا يجوز أن يتمنى الموت هَرباً من بلاء أصابه أو اعتراض على قَدَرِ الله ، ويجوز له ذلك إنْ علم أنه صائر إلى أفضل ممّا هو فيه . وقولها : { نَسْياً مَّنسِيّاً } [ مريم : 23 ] النسيّ : هو الشيء التافه الذي لا يُؤْبَه به ، وهذا عادةً ما يُنْسَي لعدم أهميته ، كالرجل الذي نسي عند صاحبه علبة كبريت بها عودان اثنان ، وفي الطريق تذكرها فعاد إلى صاحبه يطلب ما نسيه ، وهكذا تمنتْ مريم أن تكون نسياً منسياً حتى لا يذكرها أحد . ولم تكتفِ بهذا ، بل قالت : { نَسْياً مَّنسِيّاً } [ مريم : 23 ] لأن النسيّ : الشيء التافه الذي يُنسَي في ذاته ، لكن رغم تفاهته فربما يجد مَنْ يتذكره ويعرفه ، فأكدت النسيّ بقولها ( منسياً ) أي : لا يذكره أحد ، ولا يفكر فيه أحد . ثم يقول الحق سبحانه :